سهيل زكار

268

تاريخ دمشق

الأمراء والمقدمين ، وامتنعوا عن الإهمال لأمره ، ونهضوا إليه ، فلما عرف الحال قطع الأنهار ، ووصل في جمعه حتى صار بإزائهم ، وحمل بعض الفريقين على بعض ، ونشبت الحرب بينهم ، وكان منزل صدقة بن مزيد كثير الوحل عسر المجال ، فترجل الأتراك عن خيلهم ، [ وجثوا على ركبهم ] « 1 » وحبوا عليها ، وأطلقوا السهام ، وشهروا الصفاح ، وشرعوا الرماح ، وفعل مثل ذلك أصحاب صدقة ، والتقى الجيشان ، ونظر صدقة إلى أصحابه والسهام قد شكت خيولهم ، وقد أشرفوا على الهلاك ، وظن الأتراك أنهم قد انهزموا ، فركبوا أكتافهم رشقا بالسهام ، وضربا بالسيوف ، وطعنا بالرماح ، فقتلوا منهم خلقا كثيرا ، وقتل الأمير صدقة ابن مزيد في الجملة ، ووجوه رجاله ، ولم يفلت منهم إلا اليسير ممن حماه الأجل ، واستطار قلبه الخوف والوجل ، وكان السلطان قد اعتمد في تدبير الجيش وترتيب الحرب على الأمير مودود المستشهد بيد الباطنية في جامع دمشق « 2 » ووصل السلطان غد يوم الوقعة ونزل الحلة . ولم يكن للعرب صدقة مثله في البيت والتقدم ، وإحسان السيرة فيهم ، والانصاف لهم ، والإنعام عليهم ، وكرم النفس ، وجزيل العطاء ، وحسن الوفاء ، والصفح عن الجرائر ، والتجاوز عن الجرائم والكبائر ، والتعفف عن أموال الرعية ، وإحسان النية للعسكرية ، غير أنه كان مع هذه الخلال الجميلة والمآثر الحميدة ، مطرحا لفرائض الشريعة ، متغافلا عن ارتكاب المحارم الشنيعة ، مستحسنا لسب الصحابة رضي الله عنهم ، فكان ما نزل به عليه عاقبة هذه الأفعال الذميمة ، وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ « 3 » . وتوجه السلطان بعد تقرير أمر الحلة عائدا إلى أصفهان ( 87 و ) في أوائل شوال من السنة ، وقد قرر مع الأمير مودود والعسكر قصد

--> ( 1 ) زيد ما بين الحاصرتين من مرآة الزمان . ( 2 ) سيأتي خبر ذلك . انظر الدعوة الإسماعيلية الجديدة : 119 . ( 3 ) القرآن الكريم - الأنعام : 132 .